محمد متولي الشعراوي
768
تفسير الشعراوي
على هذا التكليف فهو يشرع لهذه الضرورات ، وتشريع اللّه لرخص الضرورة إعلام لنا بأنه لا يصح مطلقا لأي إنسان أن يخرج عن إطار الضرورة التي شرعها اللّه ، فبعض من الذين يتفلسفون من السطحيين يحبون أن يزينوا لأنفسهم الضرورات التي تبيح لهم الخروج عن شرع اللّه ، ويقول الواحد منهم : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ( من الآية 286 سورة البقرة ) ونقول : إنك تفهم وتحدد الوسع على قدر عقلك ثم تقيس التكليف عليه ، برغم أن الذي خلقك هو الذي يكلف ويعلم أنك تسع التكليف ، وهو سبحانه لا يكلف إلا بما في وسعك ؛ بدليل أن المشرع سبحانه يعطى الرخصة عندما يكون التكليف ليس في الوسع . ولنر رحمة الحق وهو يقول : « فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ » ، وكلمة « مَرِيضاً » كلمة عامة ، وأنت فيها حجة على نفسك وبأمر طبيب مسلم حاذق يقول لك : « إن صمت فأنت تتعب » والمرض مشقته مزمنة في بعض الأحيان ، ولذلك تلزم الفدية بإطعام مسكين . وكذلك يرخص اللّه لك عندما تكون « عَلى سَفَرٍ » . وكلمة « سَفَرٍ » هذه مأخذوة من المادة التي تفيد الظهور والانكشاف ، ومثال ذلك قولنا : « أسفر الصبح » . وكلمة « سَفَرٍ » تفيد الانتقال من مكان تقيم فيه إلى مكان جديد ، وكأنك كلما مشيت خطوة تنكشف لك أشياء جديدة ، والمكان الذي تنتقل إليه هو جديد بالنسبة لك ، حتى ولو كنت قد اعتدت أن تسافر إليه ؛ لأنه يصير في كل مرة جديدا لما ينشأ عنه من ظروف عدم استقرار في الزمن ، صحيح أن شيئا من المباني والشوارع لم يتغير ، ولكن الذي يتغير هو الظروف التي تقابلها ، وصحيح أن ظروف السفر في زماننا قد اختلفت عن السفر من قديم الزمان . إن المشقة في الانتقال قديما كانت عالية ، ولكن لنقارن سفر الأمس مع سفر اليوم من ناحية الإقامة . وستجد أن سفر الآن بإقامة الآن فيه مشقة ، ومن العجب أن الذين يناقشون هذه الرخصة يناقشونها ليمنعوا الرخصة ، ونقول لهم : اعلموا أن